حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
15
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الكتاب الأصل الذي كان يعمل به السلف في باب المتشابهات في مواضع فتذكر . ولنرجع إلى الآية . قوله وَالْأَرْضُ قالوا : المراد بها الأرضون لوجهين : أحدهما قوله جَمِيعاً فإنه يجعله في معنى الجمع كقوله كُلُّ الطَّعامِ * [ آل عمران : 93 ] وقوله وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ [ ق : 10 ] والثاني قوله وَالسَّماواتُ ولقائل أن يقول : كل ما هو ذو أجزاء حسا أو حكما فإنه يصح تأكيده بالجميع . وعطف السماوات على الأرض في القرآن كثير . نعم قيل : إن الموضع موضع تعظيم وتفخيم فهو مقتض للمبالغة وليس ببعيد . والقبضة بالفتح المرة من القبض يعني والأرضون جميعا مع عظمهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته فهن ذوات قبضته . وعندي أن المراد منه تصرفه يوم القيامة فيها بتبديلها كقوله يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ [ إبراهيم : 48 ] وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ كقوله يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [ الأنبياء : 104 ] وقيل : معنى مطويات كونها مستولى عليها استيلاءك على الشيء المطوي عندك بيدك . وقيل : معنى مطويات كونها مستولى عليها بيمينه أي بقسمه لأنه تعالى حلف أن يطويها ويفنيها في الآخرة . وفي الآية إشارة إلى كمال استغنائه ، وأنه إذا حاول تخريب الأرض والسماوات وتبديلها . وذلك في يوم القيامة سهل عليه كل السهولة ، ولذلك نزه نفسه عن الشركاء بقوله سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ثم ذكر سائر أهوال القيامة وأحوالها بقوله وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ الظاهر أن نفخ الصور مرتان ، وبعضهم روى أنه ثلاث نفخات الأولى للفزع كما جاء في « النمل » ، والثانية للموت وهو معنى الصعق ، والثالثة للإعادة . والأظهر أن الفزع يتقدم الصعق فلا يلزم منه إثبات نفختين ، وقد مر في « النمل » تفسير باقي الآية . قال جار اللّه : تقدير الكلام ونفخ في الصور نفخة واحدة ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى وإنما حذفت لدلالة أخرى عليها ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان . ومعنى يَنْظُرُونَ يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجاه خطب ، أو ينظرون ما ذا يفعل بهم . ويجوز أن يكون القيام بمعنى الوقوف والجهود تحيرا . ثم وصف أرض القيامة بقوله وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها الظاهر أن هذا نور تجليه سبحانه . وقد مر شرح هذا النور في تفسير قوله اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [ الآية : 35 ] وفي غيره من المواضع . وقال علماء البيان : افتتح الآية بذكر العدل كما اختتم الآية بنفي الظلم . ويقال للملك العادل : أشرقت الآفاق بنور عدلك وأضاءت الدنيا بقسطك ، وفي ضدّه أظلمت الدنيا بجوره . وأهل الظاهر من المفسرين لم يستبعدوا أن يخلق اللّه في ذلك اليوم للأرض نورا مخصوصا . وقيل : أراد أرض الجنة . ثم إن أهل البيان أكدوا قولهم بأنه أتبعه قوله وَوُضِعَ الْكِتابُ إلى آخره . وكل